د. إبراهيم السايح يكتب:جماهير الكرة ليسوا ملائكة.. ولا فنانين

الكفراوية قتلوا 14 من مشجعي الاتحاد.. ولم تتظاهر الإسكندرية ضد كفر الشيخ


 منذ حوالي عشرين عاماً كان فريق الاتحاد السكندري يؤدي مباراة في دوري كرة القدم المقام- آنذاك- بنظام المجموعتين ضد فريق كفر الشيخ، ولم يكن الاتحاد أو كفر الشيخ من الفرق المتصارعة علي بطولة الدوري أو أي بطولات أخري، ولم يكن كلا الفريقين يأمل في أي شيء سوي الستر والاستمرار في الدوري ببركة دعاء الوالدين، ورغم هذا اشتبك الجمهور القادم من الإسكندرية مع جماهير كفر الشيخ، وأسفر الاشتباك عن مصرع أربعة عشر مواطناً سكندرياً من مشجعي الاتحاد، بعضهم قتلته الشرطة وبعضهم قتله إخواننا مناصرو الفريق الكفراوي الشقيق!

تلك هي طبيعة مشجعي كرة القدم، أغلبهم من المتعصبين والحمقي والجهلة وبينهم عدد كبير من أرباب السوابق ومعتادي الإجرام، وفي كثير من الأندية الكروية تلجأ الإدارات للاستعانة بهؤلاء الناس لقيادة الجمهور أو الجمعية العمومية في اتجاه مصالح معينة ضد المدربين أو اللاعبين، ويستخدمهم أيضاً بعض رؤساء الأندية الطامعين في عضوية البرلمان أو الحكومة أو اتحاد الكرة.
النفخ الإعلامي في أحداث السودان يتجاهل هذه الحقائق، ويتجاهل الدور المصري في إشعال الموقف بين مصر والجزائر، ويتجاهل نوعية الجمهور الذي ذهب لتشجيع مصر- أو تشجيع نفسه- في استاد أم درمان.

المصريون العائدون من السودان يتحدثون عن الإرهاب الجزائري رغم أن أحداً من المصريين لم يصب بسوء يضارع مصرع عشرات الجزائريين في الاحتفالات الجزائرية التي أقامها الجزائريون في بلادهم بمناسبة فوزهم علي مصر. لم نسمع حتي الآن عن قتيل واحد من مصر أو الجزائر في أحداث السودان، ولكننا سمعنا عن مصرع 18 جزائرياً في احتفال الجزائريين أنفسهم بفريقهم وبفوزهم ووصولهم للمونديال، ومعني هذا الكلام أن العنف صفة أصيلة في الجمهور الجزائري، يمارسها ضد نفسه مثلما يمارسها ضد الآخرين، وإن كان قد هدد المصريين بالقتل دون أن ينفذ تهديداته فإنه قد قتل بالفعل عشرات من أبناء الجزائر نفسها أثناء احتفالات الفوز.

القضية إذن لا تتعلق بكراهية خاصة من الجزائريين ضد المصريين، ولكنها تتعلق بالجهل والتخلف والتعصب والغباء الإعلامي في كلا البلدين، فضلاً عن نوعية الجمهور المصري الذي سافر السودان وعاد من هناك يتحدث عن بعض مشاهد يوم القيامة!

المصريون الذين ذهبوا مع المنتخب ليسوا من الجماهير الكروية الحقيقية، كلهم من السادة السياسيين والفنانين ورجال الأعمال، والغالبية العظمي من وجهاء هذه الفئة يتحركون في مصر نفسها ومعهم «بودي جاردات» يحرسونهم من العامة والدهماء. هذه الفئة من المصريين والمصريات لم يسبق لها المشاركة في تشجيع فريق كروي معين أثناء مباريات الدوري أو الكأس في شتي المحافظات المصرية، ولو ذهب أحدهم لمثل هذه المباريات فإنه يكون تحت حراسة الأمن وفي معزل تام عن سائر إخواننا الغوغاء والمجرمين والصيع. من هنا يأتي الجانب الأكبر من اللوعة والفزع والاستنكار الذي سمعناه من السادة العائدين عقب المباراة. ولو كان الجمهور المصري في أم درمان سيكون من مشجعي الأهلي والزمالك والمصري والإسماعيلي والاتحاد ما كان أحد منهم قد عاد يشكو من الإرهاب الجزائري، وما كان الجزائريون ليجرؤوا أصلاً علي تهديد هذا النوع من المصريين أو حتي الاشتباك معهم.

لا داعي إذن لإشعال الموقف والتمادي في توجيه الشتائم والاتهامات لشعب وحكومة الجزائر، ولا داعي أيضاً للتمادي في الأكاذيب والمبالغات وإظهار أنفسنا في صورة الضحية المتحضرة المحترمة، فقد شهدنا في مصر قبل المباراة مشجعين يحرقون علم الجزائر، ومشجعين يسبون شعب الجزائر، ومشجعين يهددون بضرب وقتل جماهير الجزائر، وشهدنا أيضاً إعلاميين مصريين في غاية الغباء والحماقة ظلوا يشعلون الموقف بين البلدين طوال الأسابيع التي سبقت المباراة الأولي ويشحنون الناس بمشاعر العداء والقسوة والتعصب والكراهية، وحتي هذه اللحظة لم نسمع مسئولاً مصرياً عاقلاً يعتذر عن الأخطاء والخطايا التي ارتكبها المصريون وأسهموا بها في الوصول إلي ما وصلنا إليه، نحن نطالب الآخرين بالموضوعية والمثالية والأخلاق الحميدة بينما لم يلتزم أحدنا بمثل هذه الصفات.

الأستاذ علاء مبارك- مثلاً- كان يتحدث مساء الجمعة إلي أحد البرامج التليفزيونية، وكان حديثه في غاية الهدوء والاحترام والتحضر، ولكنه لم يذكر أو يتذكر عيباً واحداً في الأداء الإعلامي والسياسي المصري، ولم يتطرق إلي نوعية الجمهور المصري الذي شاهد المباراة في السودان، ولم يستنكر تحويل المناسبة بأكملها ومن البداية إلي فرصة «لركوب الموجة» من جانب إخواننا أعضاء عزبة الحزب الوطني الاستثماري، أي شخص يستمع إلي ما قاله علاء مبارك لابد أن يشعر بالاحترام الشديد للأسلوب المهذب الذي يتحدث به، ولكن لابد أيضاً أن يشعر بالأسف لأن الأستاذ علاء لم يكمل «جميله» ويتطرق بنفس هذا الصدق وهذه الموضوعية إلي الجوانب السلبية في الأداء المصري.

قبل وقوع كل هذه الأحداث المؤسفة، كنا نتمني من النظام المصري أن يكتفي بفوز فريقه في مباراة السبت، ويعتذر عن المباراة الفاصلة، ويقول للجزائر وللفيفا إن العلاقات بين الشعوب العربية أهم من الوصول إلي كأس العالم، وأهم من الحصول علي كأس العالم. ولو فعل ذلك لكان إخواننا الجزائريون قد أقلعوا للأبد عن ممارسة أي لون من ألوان التعصب والكراهية ضد المصريين، ولكانوا قد تعلموا وتأكدوا أن مصر كبيرة بالفعل، وأنها أكبر من كل البطولات وأسمي من الحماقات والتفاهات والصغائر.

في بداية الستينيات، اعتدي مدير إحدي المدارس الجزائرية علي مدرس مصري يعمل هناك تحت رئاسته، وتقدم المدرس المصري بشكوي إلي البعثة التعليمية المصرية في الجزائر، وقامت البعثة التعليمية بإرسال الشكوي إلي الوزير المصري المسئول، ورفع الوزير الشكوي إلي عبدالناصر، وحين تأكد عبدالناصر من صحة الشكوي أمر علي الفور بإرسال الطائرات المصرية إلي الجزائر لإعادة كل المدرسين المصريين العاملين هناك، ووصل القرار إلي الرئيس الجزائري فسارع بالاعتذار لعبد الناصر، ولكن الزعيم المصري رفض الاعتذار وطلب من رئيس الجزائر أن يتجه باعتذاره إلي صاحب الشكوي، وبالفعل تم تكريم المدرس المصري والاعتذار له من الدولة الجزائرية، واستبعاد المدير الجزائري من منصبه، ورفع رواتب كل المدرسين المصريين في الجزائر بنسبة 25%.

هذا هو الأداء السياسي الذي نطلبه الآن من الإدارة المصرية يا أستاذ علاء، ولأنك شخص مهذب محترم، نرجو منك أن تنقل هذا الكلام إلي أصحاب الشأن في هذا البلد

Comments