ساهر جاد يكتب .. مزاد «ماما أمريكا»

ساهر جاد
نعيش هذه الأيام مولد« ماما أمريكا».. والضباب الذي يلف الحياة السياسية نتاج الدخان المتصاعد من حملة المباخر الذين يسعون بدخانهم الخبيث إلي تغييب العقول وتزييف الوعي لدي المواطنين البسطاء.
كل هذه الضجة مبعثها إعادة الروح لطقس توقف 6 سنوات بالحج للبيت الأبيض يعود بعدها المسئول المصري محملا بهدايا في صورة معونات بعد أن يكون اغتسل في مياه آسنة اسمها «اشتراطات» و«طلبات» الشريك الأمريكي.
دون الخوض في حجم هذه المعونات أو تأثيرها علي الاقتصاد القومي، ودون التعرض لاسباب توقف هذا الطقس أو حتي عودته لأن الأهم من كل ذلك هو تأثير هذه الزيارات أو بالاحري القناعات لدي القيادات المصرية سواء الرسمي منها أو حتي المعارض التي تسمح بتدخل «ماما امريكا» في الشئون الخاصة جدا بالمصريين مثل ملفات الاصلاح الديمقراطي، والاقباط، والتوريث وخلافه.
إذا كان النظام المصري قد يري في احيان كثيرة أنه يحتاج إلي المساندة الأمريكية لدعم اركان حكمه فإن البعض من فصائل المعارضة تجد في «ماما أمريكا» سندا يعينها علي ازاحة هذا النظام وتحلم باحتلال مكانه ليس بالضرورة علي الدبابات الأمريكية، ولكن ربما من داخل حصان طروادة المسمي بمؤسسات المجتمع المدني الممولة من الخارج وتنفذ أجندته.
دعونا نناقش بهدوء وموضوعية جدوي الارتماء في احضان «ماما أمريكا» واعطائها كل اوراق اللعبة -كانت 99% أيام السادات واصبحت 100% في ايامنا الحالية- المنهج العلمي يأخذنا أولا إلي محاولة فهم العقلية التي تعبر عنها الإدارة الأمريكية، لنعرف ما تريده أمريكا من المنطقة ومن مصر تحديدا.. وما هو طريقها لتحقيق هذه الأهداف. ربما ما كتبه هتنتجتون في «صراع الحضارات» يلقي بعض الضوء علي ما نريد معرفته، فهو يعطي صورة مثالية لحل مشكلات دول الجنوب (التي كانت تسمي سابقا بالدول النامية) وهذه الصورة التي تروج لها الرأسمالية الغربية تربط التقدم في دولة مثل مصر بتحول الروابط الأساسية داخل المجتمع من روابط تراحمية عضوية - ريفية أو قبلية- إلي روابط تعاقدية علمانية ومدنية بين الفرد والدولة تحول العقد الاجتماعي بينهما إلي منافع وحقوق مادية محدودة يطالب بها المواطن في مجالات الصحة والتعليم وخلافه، فتهبط بالحقوق العامة السياسية إلي منافع مادية مباشرة، هذه الصورة التي قدمها «هتنتجتون» تزامنت مع تحول الاقتصاد اللبيرالي من الليبرالية الكلاسيكية التي تتحفظ علي تدخل الدولة إلي مايسمونه الآن «بالليبرالية الجديدة» التي تؤكد علي تدخل الدولة من أجل تحقيق الرفاهية في مجالات الأمن الاجتماعي، وهو مايعني مزيدا من سلطة الدولة وتدخلها في كل التفصيلات، وتبلور هذا المفهوم في مايسمي «الإدارة السياسية» التي تعني الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني ورجال الأعمال. هذا الكلام هام لانه يشرح القناعات الأمريكية التي تجعلنا نفهم كيف تنظر إلينا «ماما أمريكا» وما مدي المساعدة التي يمكن أن تقدمها في إطار قناعتها التي لن تغيرها من أجل «سواد عيوننا» وبهدف واحد لاثان له هو المصلحة المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية. إذن ماهي المصلحة الأمريكية في منطقتنا أولا؟
لا يختلف أحد علي أن أهم اركان السياسة الأمريكية في منطقتنا هو الحفاظ علي أمن ومصالح «إسرائيل» فإن كان لايختلف أحد ايضا علي تعارض مصلحة مصر المباشرة مع مصلحة إسرائيل.. إذن أمريكا لن تعمل ابدا علي تحقيق مصالحنا الحقيقية.
من كل ذلك فإن ما تقوم به أمريكا مما نتصور أنه ضغط من أجل الإصلاح الديمقراطي في مصر أو الدولة المحيطة ليس إلا «مزاد» تقيمه الإدارة الأمريكية ليسارع الحكام بل والمعارضون أيضا لنيل رضا «ماما أمريكا» طمعا في دعمها للوصول إلي الكرسي!
وطبعا المزاد يقوم علي تقديم ما ترضي عنه الـ«ماما» التي تعرف تماما ماتريده منا وتعرف ايضا كيف تثير لعاب الجميع طمعا في دعمها المنشود، والجميع هنا تعني حكومات ومعارضين وقوي وطنية وخلافه ومن إعادة قراءة ما تسميه أمريكا «الإدارة السياسية» نعرف أن ما تقصده الماما في حديثها عن الإصلاح الديمقراطي ليس إلا ضغط علي الحاكم لتكريس دور رجال الأعمال والمجتمع المدني الذي تستخدمه أمريكا لإغراء المعارضين وكأنه المخرج من الانظمة الديكتاتورية الحاكمة (لاحظ أن هذه النظم تدعمها أمريكا ايضا). أي أن ماما أمريكا تلعب بالجميع ونهرع نحن إلي واشنطن لحضور المزاد سواء كان في جلسة استماع بالكونجرس لمن يسموا انفسهم معارضين أو في مقابلة رسمية لرأس النظام لبحث أوجه التعاون..
تسقط أمريكا.. وعملاء أمريكا

Comments