Saturday, June 26, 2010

حنان شافعى تكتب : مشنقة على كوبري قصر النيل



لم تفلح كل محاولاتي لتفادي المشهد، لا المشاغبات، ولا أفلام التليفزيون التافه منها والقيم، ولا تصفح كتاب يهمني موضوعه، حتى أكواب التفاح بالقرفة التي تساعدني على تخطي أزماتي خذلتني هذه المرة.

المشهد :(نهار خارجي) شاب ممشوق القوام يرتدي زيا متفقا عليه بين الشعبيين من أبناء بلدي، يصنع مشنقته بيديه ثم يسلم جسده لها لينطرح معلقا بين سماء عاصمة مختالة ومياه نهر كان إلها ثم حكم عليه الزمان بذل أبدي.

صمت ثقيل يمتد من بعد إعداد المشنقة لساعة كاملة، وفي الخلفية ضجيج السيارات ومراكب البهجة المتواضعة وصخب كئوس فنادق النيل الأنيقة وهمس العاشقين المحرومين الذي كان عمرو واحدا منهم بالأمس، يختلس كلمة رقيقة أو نظرة حنو قد تنقذ روحه من تلوثها بشعور العجز وقلة الحيلة.

ترى أي مزاج سيطر على هذا الشاب وهو يكتب تفاصيل مشهد رحيله الموجع؟ هل كان ثائرا أم هادئا؟ محبطا إلي درجة الصراخ أم متجبرا إلى درجة الإصرار على الرحيل عبر مشهد سادي يتركنا بعده وقد خيم على قلوبنا حزن مطبق، ومرارة تلوث لحظاتنا كلما هممنا بممارسة حياتنا.

وأي مرارة تلك التي ندفعها ثمنا لتعبد مجتمع متعجرف في محراب طقوس اجتماعية ومظاهر تافهة. أي عدل هذا الذي ينتظره الآباء من أبنائهم ومن الحياة وهم يسلمون عقولهم لأفكار بالية وأداء اجتماعي استعراضي لا نجني منه – نحن الأبناء - سوى مزيد من المشقة وفقدان الثقة بالنفس كلما عجزنا عن تلبية مطالبهم وتصوراتهم – ضيقة الأفق - عنا وعن المستقبل.

ماذا لو أن أهل خطيبة عمرو قد تعاملوا معه بقدر طاقته المادية والاجتماعية طالما أنه يحبها إلى هذه الدرجة ويطمح إلى مشاركتها الحياة؟ أو ليكن السؤال أكثر نضجا، لماذا لا تستفيق الأسر المصرية من أوهامها الاجتماعية عن الزواج ومتطلباته؟ لماذا لا يحاولون- لوجه الله الذي يتحدثون عنه ليل نهار - إدراك متغيرات الحياة المرعبة والتحديات التي تواجه الشباب، والشباب المصري تحديدا، في بداية حياتهم؟

ولعل المدهش أن المشاريع الزوجية علي الطريقة المصرية تمر في نفق من الأوهام يبدأ مع الشقة والأثاث والمواصفات التي تمتلكها بنت فلان وعلان والتي لا يجوز "شرعا" أن لا تمتلك ابنتهم مثلها، وصولا إلى ما يحدث بعد إتمام الزيجة من تدخلات ومحاولة لتخطيط الحياة نيابة عنا ثم رغبة الأهالي الملحة في وصول الأحفاد، بالطبع كي يرضوا غرورهم ويشعروا بنجاح سطحي زائف لأنهم لا يعرفون – ولا يحاولون - معرفة ما إذا كان هذان الزوجان سعيدين بالفعل أم لا!

وبخلاف المجتمع المتلذذ بأوهامه ومشكلاته المتفاقمة، أتوجه بسؤال ساذج إلى أولي الأمر في مصر، بالله عليكم، كم كان سيتكلف زواج عمرو وإنقاذ روحه من اليأس وبالتالي حياته من هذه الموته البشعة؟

الإجابة .. أنه مبلغ شديد البساطة أو شديد التفاهة بلغة أصحاب الأموال. مبلغ لا يكفي بأي حال من الأحوال لإعداد مأدبة على شرف محافظ أو مسؤل بأحد الأقاليم. ولنتخيل كم من الشباب المصري في مثل ظروف عمرو ويحتاج فقط لمبلغ مماثل في مقابل المبالغ المهدرة من قبل مؤسسات الدولة والتي يصعب على البسطاء مثلي تصورها.

غصة في حلقي صنعتها صورتك وأنت معلق هكذا يا عمرو، أي قسوة تلك التي مورست عليك ووصلت بك إلى هذه القرار؟! وكيف لقلب يعشق وروح تتوق إلى حبيبها أن يقررا الانسحاب من الحياة بهذه المأساوية؟

أعتقد أنك عاشق للمسرح التراجيدي مثلي تماما، وأنك تمنيت أن تصبح هاملت أو ماكبث الألفية الثالثة، واسمح لي أن أحييك على ذكائك، فاللحظة مناسبة جدا لصنع مآس كبرى، وأنت "البطل" شاب يافع تعتصر لفراقه قلوب الأمهات والعذارى، أما المكان فهو اختيار عبقري بلا أدني شك، مسرح معد بديكور يليق بك كبطل مأساوي، كوبري ملكي رشيق تحرسه الأسود من كل جانب، وهو شاهد قديم على تاريخ العشاق الذين يأتونه ليلة الزفاف كي يبارك توحدهم، وعلى تاريخ الساسة الذين يعلقون عليه أعلامهم كي يؤكد شرعيتها. في مقدمته منبع كلاسيكي لفنون الرسم والموسيقي والتمثيل (عليها أن تصطبغ بالأسود كرد فعل رومانتيكي يليق ببطل مثلك)، وفي المؤخرة ميدان عريق تتسابق فيه أحلام الكبار والصغار كل صباح.

وأخيرا وصيتك إلى الحبيبة في زمن مغاير تماما لزمن الوصايا، هي العنصر المكمل لظهورك كبطل تراجيدي يا صديقي. وبغض النظر عن أن التاريخ مؤهل لاستيعاب مأساتك أم لا، فإن المشهد الذي صنعته بمنتهى الهدوء سيظل يطارد مخيلتنا جميعا حتى هؤلاء الذين تعودت مخيلتهم علي مشاهد الاحتفال وكراسي السلطة.

1 comment:

Mohamed Atef said...

نهههههههههههه
منظر جميل فعلآ وزاوية التصوير ممتازة اتمني لكي حياة عملية رائعة ممكن تبقي صحفية مشهورة وادعوكي لزيارتي
http://abozaid46.blogspot.com