Sunday, October 18, 2009

المستشار محمود الخضيري يكتب فى الدستور: يا سيد جمال مبارك.. ليس المرء من قال كان أبي

مبارك «الأب و«الابن» لا يسعيان إلي ارضاء المصريين ولا يضعان في حسبانهما سوي ارضاء الأمريكان لتمرير مشروع التوريث

أقامت إحدي المدن الإيطالية حفلاً كبيراً احتفالاً بابنها قائد الجيش العائد منتصراً من إحدي المعارك، والتف الناس حول القائد المنتصر في سعادة غامرة ويهنئونه بالانتصار علي الأعداء وكان في الحفل أحد أبناء عظماء البلدة، إلا أن أحداً لم يهتم به أو يحفل بوجوده، مما أثار حفيظته فقام مخاطباً الموجودين بحدة قائلاً: لست أدرس سر كل هذا الاحتفاء بالقائد مع أن والده مجرد إسكافي في البلدة «صانع أحذية» أما أنا فإن والدي من عظماء البلدة وفي هدوء شديد رد عليه القائد المنتصر قائلاً: يكفيني فخراً أن مجد أسرتي قد بدأ بمولدي أما أنت فإن مجد أسرتك قد انتهي بمولدك.

تذكرت هذه القصة التي قرأتها في صباي في إحدي المجلات، وأنا أشاهد سعي السيد جمال مبارك إلي الرئاسة وتجنيد كل إمكانيات الدولة لتحقيق هذا الهدف، رغم أن كل ما يعلمه الشعب المصري عن السيد جمال مبارك هو أنه ابن الرئيس وليس أكثر من ذلك وهذا الأمر وحده لا يمكن اعتباره، مبرراً لأن يعتلي السيد جمال مبارك الرئاسة خلفاً لوالده، لأن للرئاسة مقومات أخري كثيرة غير هذا لا يعرف أحد أنها موجودة لدي السيد جمال مبارك، لا يمكن أن ينكر أحد علي السيد جمال مبارك تطلعه لشغل مقعد الرئاسة باعتبار أن هذا حق لكل مصري يري في نفسه الكفاءة والمقدرة لشغله، ولكن ليس باعتباره ابن الرئيس ولكن باعتباره أحد أفراد الشعب المصري، وهذا قد يكون باقتناع الشعب به ومساعدته علي الوصول، لأن اقتناع الشعب هو الطريق الصحيح للوصول إلي الحكم، ولكن ما نشاهده في السيد جمال مبارك وفي سلوكه أن الشعب المصري صاحب الحق في اختيار من يحكمه ليس في حسبانه مطلقاً، بل إن الذي في حسبانه فقط هو رضاء أمريكا عنه، ولا أعرف إن كان يقبل أن تحمله أمريكا حملاً وتضعه علي كرسي الرئاسة رغم معارضة الشعب مثلما فعلت مع أحد الحكام العرب، حيث أجلسته أمريكا علي كرسي العرش فصار يحكم بطبيعة الأمور متحدثاً باسمها يسبح بحمدها، لأنها ولية نعمته التي ينعم بها ولولاها لما جلس علي كرسي الحكم، هل هذا يرضي السيد جمال مبارك أن تفعل معه أمريكا ذات ما فعلته مع هذا الحاكم، الواضح حتي الآن أن سلوك السيد جمال مبارك ووالده أنه يتمسح في جدار الكعبة الأمريكية ويرفع أكف الضراعة طالباً العفو والمساعدة في الوصول إلي الحكم، وهذا ما يجعل الشعب المصري شديد الحرص علي إحباط هذا المخطط الذي يخطط له الأعوان دون أن يضعوا في حساباتهم أن شعب مصر في الغالب لن يرضخ لهذا وأن للتاريخ حكمه الذي لا يجب تجاهله، وأن هناك بركاناً خامداً يمكن أن يتحرك في أي لحظة لإحباط هذا المخطط.

منذ فترة، ليست بالقصيرة والسيد جمال مبارك ووالده والأسرة جميعاً والمحيطون بهم يخططون لهذا الأمر ويرسمون السبيل إليه وهو تخطيط خاطئ لأنه يتجاهل إرادة الشعب ورغبته في أن يحترم رأيه في اختيار من يحكمه، ولو أن من يخطط لهذا الأمر وضع الشعب وإرادته في حسبانه لعرف أن رضاء الشعب هو الطريق الصحيحة لتولي الحكم، حتي وإن كان ذلك لا يصادف هوي لدي أمريكا، لأن الشعوب أقوي وأبقي من الحكومات مهما كانت قوتها وجبروتها.

كانت أمام السيد جمال مبارك وأعوانه فرصاً وظروفاً كثيرة لو أنهم استغلوها في التقرب إلي الشعب لوجد السيد جمال مبارك نفسه مدفوعاً بقوة شعبية إلي كرسي الرئاسة، لكن السيد جمال مبارك فوت علي نفسه فرصاً ذهبية إلي دخول قلوب الشعب، خذ مثلاً مسألة الحصار علي غزة خاصة أثناء الحرب الظالمة عليها فلك أن تتخيل أن السيد جمال مبارك خرج مع الناس مجاهراً أنه ضد هذا الحصار الظالم وأنه يضم صوته إلي أصوات المنادين بكسره وتوصيل المساعدة لأهلنا المحاصرين في غزة ويا حبذا لو أنه وضع نفسه علي رأس المحاولات التي بذلها بعض المخلصين لذلك، لا شك أن هذا كان سيعطي الحملة بعداً كبيراً ونجاحاً هائلاً فيكسر هذا الحصار، وكان سيعطي للسيد جمال مبارك مكانة وشعبية واحتراماً وتقديراً في نظر ليس المصريين والعرب والمسلمين فقط، بل في نظر العالم كله الذي كان شاغله الشاغل في هذا الوقت هو الوقوف إلي جوار الإخوة في غزة في حربهم مع إسرائيل، إن موقف مصر من هذه الحرب والإخوة في غزة قد أضاع هيبة وحب تقدير حكومة مصر في نظر العالم كله، ولولا محاولات الشعب المصري لكسر هذا الحصار لضاعت هيبة الشعب المصري أيضاً وحبه من قلوب العالم أجمع.

عندما غرقت العبارة السلام، وغرق فيها أكثر من ألف إنسان غير المفقودين والمصابين وكانت مصر كلها في مأتم ووسائل الإعلام لا هم لها إلا الحديث عن هذا الموضوع الذي أصبح الشغل الشاغل لكل مصري، أين كنت يا سيادة جمال مبارك لقد كنت في ملعب كرة قدم تشاهد التدريبات النهائية للفريق الذي يستعد لمباراة مهمة وفي اليوم التالي ودماء المصريين مازالت تنزف ودموع الثكالي تنهمر، كنت أنت والسيد الرئيس والعائلة جميعاً تشاهدون كسوف الشمس في محافظة مطروح في احتفال ذكرنا برحلات الملك فاروق والعائلة وكأن دماء المصريين المراقة في عرض البحر لا تهم أحداِ ولا تحرك حتي مشاعر الحزن علي هؤلاء الثكالي في قلوبكم، ولو كنت مكانك يا أخ جمال مبارك وأطمع في حكم مصر لرحلت سريعاً إلي مقر الكارثة فور وقوعها ومعي أعواني وكل إمكانيات الدولة المسخرة لي وأخذت خيمة وأقمت ومن معي فيها وسط الثكلي والمصابين وذويهم، ولم أغادر المكان إلا بعد انتشال آخر جثة ومساعدة الناس علي استخراج شهادات الوفاة وتصاريح الدفن ومحاولة علاج المصابين وسرعة التحقيق مع المتسبب أيا ما كان، عندها كان كل مصري سيبني لك في قلبه تمثالاً ويهتف بحياتك ويتمني أن يمتد به العمر حتي يراك تحكم مصر حتي ينعم في ظل حكمك بالخير والحب والحنان الذي لا يعرف لهما سبيلاً منذ أمد بعيد، عندما انهارت صخرة الدويقة علي أهلها وانهارت معها مئات المساكن وتشرد أهلها وأصبحوا بلا مأوي ولا طعام ولا شراب وسارع أهل الخير بإمكانياتهم المحدودة لمساعدتهم، لم نسمع عن دورك في مساعدة هؤلاء الناس ولا عن دور لجنة السياسات التي ترأسها رغم كبر حجم المشكلة وضرورة تدخل جهة لها إمكانيات في حلها لأن الأمر لم يكن أمر طعام وشراب وغطاء بل أمر مأوي يحتاج تدبيره لإمكانيات تفوق الإمكانيات الشعبية المتواضعة، فلو أنك تصديت لحل هذه المشكلة ومساعدة الناس علي إيجاد الحلول لمشاكلهم وطبعاً وجودك سيجعل المسئولين الكبار يسارعون إلي حل مشاكل هؤلاء المنكوبين الذين لم يجدوا أمامهم إلا جنود الأمن المركزي لفض تجمعهم فزادهم هما علي همهم، وأصبحوا يعانون مرارة القمع مع مرارة التشرد وكأنهم هم الذين تسببوا في مشكلتهم، لو أنك يا أخ جمال وقفت بقوتك ونفوذك إلي جوار هؤلاء المنكوبين وساعدتهم بقوتك علي تجاوز هذه الأزمة لانطبعت صورتك في قلب كل مصري، ولحملك الشعب المصري كله علي الأعناق إلي كرسي الرئاسة حيث تجلس عليه محاطا بحب الجماهير الذي هو السند الصحيح لكل حاكم يريد أن يقف علي أرض صلبة في حكمه.

قل لي يا سيد جمال مبارك تري أيهما تفضل، أن تكون مثل الحاكم العربي الذي أجلسته أمريكا علي كرسي الحكم فهو لعبة في يدها تحركها كيفما تشاء وقتما تريد ينتظر الضوء الأخضر أو الأحمر قبل كل تصرف، فهو في الحقيقة ليس حاكما حقيقيا ولكنه ملك شطرنج لابد من أن تحركه يد وإلا ظل مكانه بلا حراك، أم تكون مثل رجب طيب أردوغان - حاكم تركيا - الذي صعد إلي الحكم بإرادة شعبية حرة الذي لا يقول في أعظم المحافل الدولية إلا ما يعتقد أنه في مصلحة بلاده ودينه ومعتقداته، يزأر مثل الأسد إذا مس أي إنسان كرامة بلاده أو يحاول النيل منها مهما كانت مكانته، ويقول نعم عندما تكون في مصلحة بلاده، ويقول «لا» عندما يشعر أن كرامته أو مصلحة بلاده معرضة للخطر، أمامك المثلين والأمر يرجع إليك فإما أن تصعد إلي الحكم عن طريق أمريكا والغرب وتصير لعبة في يدها أم تصعد إلي الحكم عن طريق إرادة الشعب في انتخابات حرة نزيهة، يشهد العالم أجمع الخارج قبل الداخل بنزاهتها وعند إذن يحق لك أن تقول بكل قوة، أنا لم أصعد إلي الحكم لأني ابن الرئيس بل لأنني أستحق ذلك، فلست أنا من يقول كان أبي ولكني أقول ها.. أنا.. ذا.

No comments: