Sunday, August 16, 2009

مسعد أبوفجر يكتب:الحياة داخل سيارة الترحيلات


أخيراً ورغم أن كلمة «حقوق إنسان» تتردد في هذا العالم أكثر من مليون مرة في الساعة الواحدة، مازلت ومعي شقيقي نقيم في زنزانتين وتفصل بينهما مئات الكيلو مترات، أنا في سجن أبوزعبل وهو في سجن برج العرب أكبر سجون الشرق الأوسط وأشدها قسوة أكثر من 19 شهراً، وأنا أطالب بمساواتنا مع من يهربون الأفارقة إلي إسرائيل ومع تجار السلاح وأعضاء الجماعات الدينية، وهي الشرائح التي تصنفها الحكومة كمعتقلين سياسيين.

قوانين الجنائيين هي السبب في صعوبة الحياة بينهم، في كل زنزانة بارون من بارونات المخدرات بالمال يبدأ في بناء إمبراطورية وإقامة علاقات مع المخبرين والإدارة ويسيطر علي الزنزانة، فإذا غضب من أحد المقيمين معه، لن يكلفه الأمر كثيراً فقط 50 جنيهاً لأحد المخبرين، وسيجد المغضوب عليه المخبر فوق رأسه: لم حاجتك.. يجد نفسه في زنزانة ثانية يبدأ من جديد ينام في الطرقة أو الحمام حتي تفضي نمرة يصير من حقه ركوبها، أحد المساجين البدو علق: يريدون مسح رأسك.. ليصير كل همك، كيف تدبر حالك لتعيش بين أولاد ذوقهم متدن جداً وشديدي الخطورة.

لما كنت صغيراً كانت معلمة الصف حين تنتهي من شرح الدرس تنادي عليّ: قم اقرأه ومن بين مئات الدروس التي قرأتها لم يبق في رأسي غير درس واحد يتفاخر بحملات الفرعون علي سيناء لتأديب بدوها ورغم أني وزملائي «طلب وعبدالسلام» ومثل معظم زملائنا الآخرين نتفاخر بتاريخ مصر الفرعوني، خاصة قدرة الفراعنة علي التحنيط التي قالت لنا المعلمة «مخطئة طبعاً» إن العالم لم يكتشف سرها حتي اليوم إلا أننا ظللنا مذهولين قدام درس الفرعون والبدو، فيما بعد عرفت أن طلب غرق تماماً في تعاطي المخدرات، أما عبدالسلام فقد أطلق لحيته والتحق بواحدة من أكثر الجماعات الإسلامية راديكالية، وصار لا يأكل مما يذبحه أبوه لأن الأب من وجهة نظر عبدالسلام يشرك مع الله آلهه آخرين مثل الشيخ زويد والسيد البدوي، عند هذا الحد قام الأب بإبلاغ أمن الدولة وكانت النتيجة أن عبدالسلام اليوم في إحدي زنازين سجن الوادي الجديد، أما أنا فقد كبر معي ذهولي، وربما تحول إلي أسئلة مثلاً: لماذا لم يطلب النبي موسي «عليه السلام» من الفرعون أن يكون أكثر عدالة بدلاً من أن يطلب منه أن يسمح له باصطحاب قبائل بني إسرائيل والهجرة إلي الشرق، حيث أرض العسل واللبن والميعاد؟.. ويبدو أن الله من فوق سمائه العالية، أراد أري الإجابة بشكل عملي ليلة 25/4/2007، خرجت قطاعات من قبائل سيناء واستولت علي الحدود، مهددة بالرحيل إلي الشرق وبعد ساعات قليلة كنت واقفا بينهم، وبكل ما أوتيت من قدرة صرت أزعق «بل تصمدون علي أرضكم وتناضلون نضالاً سلمياً ومدنياً حتي تأخذوا حقوقكم في وطن أكثر حرية وعدالة»، ولولا خوفي من الملامة لأضفت: وحداثة وديمقراطية.. والنتيجة أكثر من 18 شهراً، والحبل علي الجرار قضيتها متنقلاً في سيارات الترحيلات الكئيبة وبين زنازين السجون وأبرز ما فيها:-

صدور 12 حكماً وقراراً قضائياً بالإفراج واحد منها أصدرته محكمة القضاء الإداري، وصفته جريدة الدستور بـ «التاريخي»، وأضافت: إنها المرة الأولي من سنة 1980 التي تصدر فيها محكمة القضاء الإداري حكماً بإلزام وزارة الداخلية بالإفراج عن أحد المعتقلين.

- فرض رقابة كاملة عليّ ولمدة 24 ساعة مع حصار شديد لمنعي من التعامل مع أي سجين أو معتقل من أصول بدوية وتهديد كل من يفكر حتي في إلقاء السلام عليّ.

- شن غارات متوالية وفي فترات متقاربة علي زنزانتي والاستيلاء علي كل ما أكتبه.

هناك جهات في الحكومة تجرب أن تطبق علي تجاربها في التعامل مع جماعات دينية، بمعني أن أظل في السجن حتي أصاب بالصدأ.. حينها، ومن وجهة نظرها، يصير رأسي طبعاً لإعادة التشغيل.. وخطل هذه الخطة في كونها طبقت علي رءوس مثل أرفف السوبر ماركت كل شيء عليها وفيها جاهز ومصنف وموضوع في مكانه، وهي رءوس من السهل التعامل معها وفقاً لسياسة الفوضي الخلاقة، تكتيك الصدمة والرعب لإعادة تشكيلها ودفعها نحو التوبة والاستقامة والندم والتغيير، هذا التكتيك وتلك السياسات فاشلة تماماً عند تطبيقها علي رأس كل بضاعته عبارة عن أسئلة، وتقريباً ليس فيه شيء جاهز، أقول تقريباً لأنه لا شيء نهائي ومطلق.. وكل الأشياء نسبية وقابلة للهدم والبناء.. أقاوم بطريقة شبه ذهنية.. أراقب سجاني.. ماذا يريد؟ وما الحالة التي يهدف لدفعي نحوها؟ شبه اليقين أنه من أسوأ أصناف السجانين.. وشبه الأكيد أن عدالة قضيتي وإنسانية أدواتي يجعلانني نموذجاً بدوياً مرهقاً بالنسبة له.

أحياناً تسيطر عليّ رغبة في تمزيق جدران الزنزانة، ليس من أجل الخروج «وهي حقي الكامل» وإنما لأزعق! فاروق حسني أيها الفنان المعقول.. الطريق لليونسكو لا يمر باستجداء قادة إسرائيل.. بل باحتجاجك الواضح لدي الحكومة التي أنت وزير فيها علي سجن كريم عامر بحجة أنه كتب «علي مدونته» كلاماً «كلام»: قد يكون ثلثه حق و«ثلثانه» باطل.. أو ليكن هو الباطل نفسه.. فما يبقي هو أن كل القوانين والدساتير والأعراف في العالم لا تعد قوله خطيئة يعاقب عليها مقترفها بوضعه في غيابات السجون.

لست مخولاً بالحديث عن كريم.. رغم أني زاملته في سجن الغربانيات أكثر من 9 أشهر.. وعرفت حجم الإرهاق النفسي والبدني الهائل الذي تعرض له في السجن.. وهو طلب مني عدم الكتابة عنه.. إلا أنني أستأذنه لأذكر أن كريم حين دخل السجن ولم يكن قد تجاوز الـ 21 من سنوات عمره المديد.. استقبلوه لمدة 100 يوم في الزنزانة الانفرادية التي أودع فيها عزت حنفي تمهيداً لإعدامه.. ولما أضرب عن الطعام نقلوه إلي قسم الدواعي.. وهو القسم المخصص للمساجين فائقي الخطورة.. وحين أضرب الإريتريون عن الطعام اعتقدت إدارة السجن أن كريم هو الذي حرضهم علي الإضراب.. فأطلقوا عليه مجرماً اعتدي عليه وكسر واحدة من أسنانه.. ثم قام راديكالي إسلامي بالسطو علي كتبه وحرقها.. ولم يكتف بسرقة الكتب.. بل عاد واعتدي علي كريم.

وحين قامت إدارة السجن بحلق رأسه.. دوي سجن الغربانيات: حلقوا لكريم عامر «!» فكل من زامل كريم يعرف عنايته الشديدة بشعره.. اليوم أجد نفسي مليئاً بالاحترام لجان بول سارتر لأنه اشترط علي عبدالناصر الإفراج عن كل الكتاب المعتقلين كشرط لموافقته علي زيارة مصر.. رضخ عبدالناصر و«هذا دليل علي عظمته» وكان من بين المفرج عنهم جمال الغيطاني.. لو كنت مكان نيلسون مانديلا أو ديزموند توتو ما كنت سأدخل وطناً «أبدًا» في سجونه سجيناً سياسياً واحدًا.. «رومانسية» سيعلق أصدقائي الحداثيون.. OK لتكن كذلك.. فمن جعلوا العالم يجري بسرعة سيارة من طراز هامر هم أشخاص رومانسيون.

مسعد أبوفجر

من سيارة الترحيلات

المصدر :- الد ستور

No comments: